اسد حيدر

15

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

الهاشميون ومن والاهم من الشيعة وغيرهم في مسجد المدينة ، ورفعوا المصاحف واستفزوا الناس ، فاجتمع لهم العدد الكبير من الكرخ . واجتمع الأتراك وهم جند الدولة وأعيان بغداد في ذلك اليوم واشتد القتال بين الطرفين « 1 » . ولا يخفى دور السلطة فيما يحدث ، وأن الفتن التي تجري - وما يتخللها من نيل من مقامات العلم ، وتعد على أصحاب المكانات الدينية - من صنعها ، فينحاز الحكام إلى طرف دون آخر . في حين يعلم أن ذلك من تعاطي السفهاء - كما ينص ابن كثير في وصفهم - وإلا كيف يضرب خطيب جامع بالآجر ويكسر أنفه ويخلع كتفه ؟ ولما ذا يقبل آخرون على أناس يحيون ذكرى عاشوراء بالحديد ، فيقتتلون اقتتالا شديدا ، ويقتل من الفريقين طوائف كثيرة ، وتجري بينهم فتن وشرور مستطيرة . ويحدثنا ابن الجوزي في حوادث سنة 494 ه أن السلطان قتل خلقا من الباطنية يبلغ عددهم ثلاثمائة ونيفا ، وكتب بذلك كتابا للخليفة ، فتقدم بالقبض على قوم يظن فيهم ذلك المذهب ، وزاد تتبع العوام لكل من أرادوا ، وصار كل من في نفسه شيء من إنسان يرميه بهذا المذهب ، فيقصد وينهب « 2 » . كما وقع كثير من الفتن بين الناس بسبب اختلاف الآراء بين العلماء من فقهاء ومفسرين ، فبدلا من أن تعقد المجالس لرفع ذلك الالتباس وإزالة الخلافات ، أصبحت مثار فتن وسببا لتدخل الغوغاء وأصحاب الأهواء الفاسدة ، المندسّين في صفوف المسلمين . وقد حدث أن اختلف الحنابلة وغيرهم من السنة في تفسير قوله تعالى : عَسى أَن يَبْعَثَك رَبُّك مَقاماً مَحْمُوداً فقالت الحنابلة أن المقصود من هذه الآية أن يقعد اللّه نبيه على عرشه . وقال غيرهم : أن المقصود هو الشفاعة ، واحتدم الجدل ، واتسع النزاع بسبب ذلك الخلاف ، واقتتل الحنابلة مع خصومهم « 3 » إذ كانت لهم القوة في بغداد لمساندة السلطة لهم والتفاف العامة حولهم وانضمام كثير من الجند إليهم . وقتل منهم قتلى كثيرة ، وكان جماعة أبي بكر المروزي أبطال هذه الفتنة « 4 » واعتمدوا على القوة .

--> ( 1 ) ابن كثير ، البداية والنهاية ج 12 ص 26 و 28 . ( 2 ) المنتظم ج 9 ص 120 . ( 3 ) السيوطي ، تاريخ الخلفاء ص 154 . ( 4 ) الكامل لابن الأثير ج 8 ص 132 .